بهاء الدين الجندي اليمني
36
السلوك في طبقات العلماء والملوك
كما كان من أنضر عصور تاريخ اليمن فقد شهدت توحيد اليمن الطبيعي بأكمله شماله وجنوبه كما وحّده من قبلهم الدولة الحوالية اليعفرية والدولة الصليحية . وعلى رأسها الملك الصالح علي بن محمد الصليحي ، ومن آل رسول الملك المنصور عمر بن علي وولده الملك المظفر يوسف وقبضا على ناصية الحكم حتى على الحرمين الشريفين وعلى ثالث مدن الحجاز وهي مدينة « الطائف » وثبتوا أقدامهم فيها برهة من الزمن ليست بالقصيرة وعيّنوا فيها الحكام ونصبوا فيها القضاة ونشروا في ربوعها العدل ووضعوا هنالك حامية لدرء خطر المصريين ولمقاومتهم وكبح جماحهم حتى لقد قال الملك الأفضل الرسولي في كتابه « العطايا السنية ، والمواهب الهنيّة في المناقب اليمنية » إن جده الملك المنصور عمر ملك إلى حدود « عيذاب » من الممالك المصرية وكذلك قال الفاسي في ترجمة عمر بن علي رسول ج 6 ص 343 . وفي الحرمين الشريفين وفي الطائف وطرقها أنشئوا مشاريع خيرية وعمرانية وثقافية فعمّروا السبل والسقايات للماء وبنوا المدارس لإلقاء الدروس العلمية على شيوخ العلم الذين انتخبوهم لنفس الغرض كما عمروا الرباطات للمهاجرين والوافدين ولأبناء السبيل وهي أشبه بالملجإ والمأوى للمقام بها والمبيت فيها ، وأوقفوا لذلك أوقافا جزيلة تدر بالأرزاق علاوة على ما يمنحونهم نقدا ، ونصبوا للإشراف عليها قوّامين وولاة يديرون أحوال تلك المشاريع طبقا لإرشاداتهم وتوجيهاتهم . كما أصلحوا ما تشعث من الحرمين الشريفين وكذلك جامع الطائف واسم الملك المظفر فيه لا يزال بارزا بالكتابة . وزينوا الكعبة المشرفة بالذهب الإبريز وأهدوا إلى الحرمين الشريفين القناديل المصنوعة من الذهب والفضة لإنارتهما إلى غير ذلك من الحسنات والمبرات . قال العلامة الفاسي في كتابه « شفاء الغرام في تاريخ البلد الحرام » وفي كتابه الآخر « العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين » : « ولآل الرسول مآثر كثيرة بالحرمين الشريفين » وعدّدها فليرجع إلى الكتابين المذكورين إلى أن قال : « وأسماؤهم بارزة مكتوبة في تلك الأماكن الشريفة إلى يومنا هذا » . وفي تاريخ الكعبة المعظمة لحسين بن عبد اللّه باسلامة الكندي الحضرمي المعاصر ما يفيد أن بعض اللوحات التي هي من عمل ملوك بني رسول لا تزال ماثلة للعيان ونقل منها صورا فارجع إليه فليس قصدنا الاستقصاء وإنما الإيماء إلى ذلك ، هذا ما هو في جهة الحجاز خاصة في الثلاث مدن المذكورة .